ابن كثير
51
البداية والنهاية
من ربيع الأول جاء الأمير حسام الدين مهنا بن عيسى ملك العرب إلى السجن بنفسه وأقسم على الشيخ تقي الدين ليخرجن إليه ، فلما خرج أقسم عليه ليأتين معه إلى دار سلار ، فاجتمع به بعض الفقهاء بدار سلار وجرت بينهم بحوث كثيرة . ثم فرقت بينهم الصلاة ، ثم اجتمعوا إلى المغرب وبات الشيخ تقي الدين عند سلار ، ثم اجتمعوا يوم الأحد بمرسوم السلطان جميع النهار ، ولم يحضر أحد من القضاة بل اجتمع من الفقهاء خلق كثير ، أكثر من كل يوم ، منهم الفقيه نجم الدين بن رفع وعلاء الدين التاجي ، وفخر الدين ابن بنت أبي سعد ، وعز الدين النمراوي ، وشمس الدين بن عدنان وجماعة من الفقهاء وطلبوا القضاة فاعتذروا بأعذار ، بعضهم بالمرض ، وبعضهم بغيره ، لمعرفتهم بما ابن تيمية منطوي عليه من العلوم والأدلة ، وأن أحدا من الحاضرين لا يطيقه ، فقبل عذرهم نائب السلطنة ولم يكلفهم الحضور بعد أن رسم السلطان بحضورهم أو بفصل المجلس على خير ، وبات الشيخ عند نائب السلطنة وجاء الأمير حسام الدين مهنا يريد أن يستصحب الشيخ تقي الدين معه إلى دمشق ، فأشار سلار بإقامة الشيخ بمصر عنده ليرى الناس فضله وعلمه ، وينتفع الناس به ويشتغلوا عليه . وكتب الشيخ كتابا إلى الشام يتضمن ما وقع له من الأمور . قال البرزالي : وفي شوال منها شكى الصوفية بالقاهرة على الشيخ تقي الدين وكلموه في ابن عربي وغيره إلى الدولة ، فردوا الامر في ذلك إلى القاضي الشافعي ، فعقد له مجلس وادعى عليه ابن عطاء بأشياء فلم يثبت عليه منها شئ ، لكنه قال لا يستغاث إلا بالله ، لا يستغاث بالنبي استغاثة بمعنى العبارة ، ولكن يتوسل به ويتشفع به إلى الله ( 1 ) فبعض الحاضرين قال ليس عليه في هذا شئ ، ورأى القاضي بدر الدين بن جماعة أن هذا فيه قلة أدب ، فحضرت رسالة إلى القاضي أن يعمل معه ما تقتضيه الشريعة ، فقال القاضي قد قلت له ما يقال لمثله ، ثم إن الدولة خيروه بين أشياء إما أن يسير إلى دمشق أو الإسكندرية بشروط أو الحبس ، فاختار الحبس فدخل عليه جماعة في السفر إلى دمشق ملتزما ما شرط ، فأجاب أصحابه إلى ما اختاروا جبرا لخواطرهم ، فركب خيل البريد ليلة الثامن عشر من شوال ثم أرسلوا خلفه من الغد بريدا آخرا ، فردوه وحضر عند قاضي القضاة ابن جماعة وعنده جماعة من الفقهاء ، فقال له بعضهم : إن الدولة ما ترضى إلا بالحبس ، فقال القاضي وفيه مصلحة له ، واستناب شمس الدين التونسي المالكي وأذن له أن يحكم عليه بالحبس فامتنع وقال : ما ثبت عليه شئ ، فأذن لنور الدين الزواوي المالكي فتحير ، فلما رأى الشيخ توقفهم في حبسه قال أنا أمضي إلى الحبس وأتبع ما تقتضيه المصلحة ، فقال نور الدين الزواوي : يكون في موضع يصلح لمثله فقيل له الدولة ما ترضى إلا بمسمى الحبس ، فأرسل إلى حبس القضاة في المكان الذي كان فيه تقي الدين ابن بنت الأعز حين سجن ، وأذن له أن يكون عنده من يخدمه ، وكان ذلك كله بإشارة نصر المنبجي لوجاهته في الدولة ، فإنه كان قد استحوذ على عقل الجاشنكير الذي تسلطن فيما بعد ، وغيره من الدولة ، والسلطان مقهور معه ،
--> ( 1 ) في هامش المطبوعة : " المعروف في كتب ابن تيمية وترجمته لابن عبد الهادي : أنه لا يجيز هذا . " .